تجاوزت ألمانيا عتبة سياسية ظلت، منذ الحرب العالمية الثانية، أقرب إلى المحظور السياسي؛ فقد حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف فوزاً غير مسبوق في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، بحصوله على 43.8% من الأصوات، أي أكثر من ضعف ما حصده حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس. وبذلك أصبح الحزب على بُعد ثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة، وأقرب إلى السلطة من أي قوة يمينية متطرفة في ألمانيا منذ سقوط الرايخ الثالث؛ في تحول يندرج ضمن موجة أوسع آخذة في التشكل في غرب أوروبا.
تُحلل هذه الورقة أربع قضايا مترابطة: دلالة هذه النتيجة على تماسُك الائتلاف الفيدرالي بقيادة ميرتس ومستقبل سياسة «الجدار الواقي» التي تعتمدها أحزاب الوسط لعزل اليمين المتطرف؛ والتداعيات المحتملة على السياسة الخارجية الألمانية، ولاسيما تجاه روسيا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي؛ وأثر علاقة حزب البديل من أجل ألمانيا بإدارة ترمب في العلاقات الألمانية-الأمريكية واستقرارها؛ وأخيراً ما تكشفه هذه النتيجة عن المسار الأوسع لليمين المتطرف في أوروبا، وخصوصاً في ضوء التحالف الشعبوي الفرنسي-البريطاني الجديد.
صدمتان انتخابيتان
حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على أكبر حصة من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، مُضاعِفاً رصيده الانتخابي مقارنة بانتخابات عام 2021 ليصل إلى 43.8% من إجمالي الأصوات، لكنه لم ينجح في تحقيق أغلبية المقاعد في البرلمان. ومثّل تراجع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى 17.2% أسوأ نتيجة له في الولاية منذ إعادة تشكيل ساكسونيا-أنهالت بعد إعادة التوحيد، وخسر الحزب جميع الدوائر الانتخابية ذات العضو الواحد التي خاضها. وحصل كلٌّ من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار على نحو 9% من الأصوات، بينما تجاوز تحالف سارة فاجنكنشت بصعوبة عتبة الـ5% المطلوبة للتمثيل البرلماني.
جاء هذا الاختراق رغم أن فرع الحزب في ساكسونيا-أنهالت يخضع لرقابة المكتب الاتحادي لحماية الدستور، الذي صنّفه عام 2023 باعتباره «حركة يمينية متطرفة مؤكدة»؛ وهو توصيف يرفضه الحزب ويعدّه ذا دوافع سياسية. ويظل هذا التصنيف عاملاً أساسياً في تفسير تمسُّك الأحزاب الرئيسية برفض الدخول في مفاوضات ائتلافية معه، حتى بعد النتيجة الانتخابية الساحقة. كما أنه يُفسِّر جانباً من التوتر عبر الأطلسي، بعدما شكك مسؤولون كبار في إدارة ترمب علناً في شرعيته.
أحدثت النتيجة صدمة فورية في برلين. فقد صرّح المستشار ميرتس، في اليوم التالي للتصويت، بأنه «مصدوم بشدة» من الفوز التاريخي لحزب البديل، مؤكداً في الوقت نفسه تمسُّكه ببرنامج الإصلاح الذي طرحه في العام السابق. في المقابل، تعاملت قيادة حزب البديل مع النتيجة بوصفها انتصاراً لاستراتيجيتها الوطنية. وقال الزعيم الوطني المشارك تينو كروبالا إن الناخبين أصدروا «حكماً واضحاً» ضد الائتلاف الحاكم، داعياً الأحزاب الرئيسية إلى الاعتراف بأن الناخبين رفضوا «نظام مقاطعة الحزب» بصورة قاطعة. وذهبت الزعيمة المشاركة أليس فايدل أبعد من ذلك، متوقعة أن تُجبر النتيجة ميرتس على الاستقالة، وأن تعجّل بإجراء انتخابات فيدرالية مبكرة «قبل عيد الميلاد».
وقد قدّم رئيس وزراء ساكسونيا-أنهالت المنتهية ولايته، سفين شولتزه، المنتمي إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي حكم الولاية قرابة ربع قرن، إقراراً واضحاً بحجم الضرر الذي لحق بحزبه، قائلاً: «سيتعين علينا التعايش مع هذه النتيجة». وفي المقابل، أشار أولريش سيغموند، المرشح الرئيسي لحزب البديل، إلى أن محادثات بدأت بالفعل لاستمالة نواب من أحزاب أخرى وتشكيل أغلبية حاكمة؛ وهي استراتيجية لا تحتاج إلى اتفاق ائتلافي رسمي، وقد يصعب على الأحزاب المنافسة مقاومتها جماعياً.

وبعد أيام قليلة من صدمة ساكسونيا-أنهالت، أسفرت انتخابات ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، في 20 سبتمبر، عن نتيجة أكثر إضراراً بميرتس. فقد حقق حزب البديل فوزاً كبيراً بنسبة 38.2% من الأصوات، حاصداً 32 مقعداً بزيادة 18 مقعداً، ومتقدماً بفارق ضئيل على الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي حصل على 35.5%، أي 29 مقعداً بتراجع خمسة مقاعد. وانهار حزب ميرتس إلى 4.9%، متراجعاً عن عتبة التمثيل البالغة 5%، وخسر جميع مقاعده الاثني عشر، ليخرج من برلمان الولاية بالكامل للمرة الأولى. وقد وصف ميرتس النتيجة بأنها «كارثة»، ثم وسّع الإطار السياسي للأزمة بالقول إن ألمانيا أصبحت «معقدة للغاية»، وإن اقتصادها يمر بمرحلة تحول عميق، وإن ثقة الجمهور في المؤسسات آخذة في التراجع. وفي المقابل، أظهرت انتخابات العاصمة برلين نمطاً مختلفاً؛ إذ تصدّر حزب اليسار النتائج بنسبة تراوحت بين 24.5 و25.3%، وجاء الاتحاد الديمقراطي المسيحي ثانياً بفارق كبير بنسبة تراوحت بين 19 و20%، بينما حل حزب البديل ثالثاً بنسبة 16.2%.
تكشف هذه النتائج أن حزب البديل يُرسِّخ موقعه في الولايات الشرقية الأصغر والأكثر ريفية بوصفه القوة السياسية المهيمنة، بينما يفقد الاتحاد الديمقراطي المسيحي دوره التاريخي بوصفه خيار حكم افتراضياً في المنطقة. ولا تقتصر الأزمة على انتقال الأصوات إلى حزب البديل، بل تمتد إلى تراجع قدرة الحزب على حماية قاعدته الانتخابية. غير أن الدلالة الأوسع تتمثل في أن الوسط السياسي الألماني، لا حزب ميرتس وحده، يخسر نفوذه في اتجاهين متعاكسين: نحو اليمين المتطرف في الولايات الشرقية، ونحو أقصى اليسار في المدن الكبرى، كما أظهرت نتائج برلين مع صعود حزب اليسار وتراجع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
مستقبل الائتلاف الحاكم
دخل ائتلاف المستشار ميرتس انتخابات ساكسونيا-أنهالت من موقع ضعف واضح. فقد أظهرت استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات أن حزب البديل بات الحزب الأكثر شعبية في ألمانيا، بنسبة تقارب 28%، في حين تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة ميرتس إلى نحو 20%؛ وهو تحول حاد قياساً إلى فوزه الحاسم في الانتخابات الفيدرالية عام 2025. وفي ساكسونيا-أنهالت تحديداً، عبّر 87% من الناخبين، وفق مؤسسات استطلاع الرأي، عن عدم رضاهم عن أداء الحكومة الفيدرالية، ما يجعل نتيجة الولاية أقرب إلى استفتاء على حكم ميرتس وطنياً منها إلى تقييم محلي صرف.
يواجه الائتلاف الحاكم صعوبات هيكلية في كسب ثقة الناخبين. فقد أقرّ اجتماع لجنة الائتلاف، الذي عُقد في الأول والثاني من يوليو 2026، حزمة إصلاحات جوهرية تهدف إلى استقرار أنظمة التأمين الاجتماعي في ألمانيا وإنعاش النمو الاقتصادي، بما في ذلك تنفيذ 33 توصية من لجنة حكومية معنية بالمعاشات التقاعدية، وأبرزها رفع سن التقاعد القانوني إلى ما بعد 67 عاماً، والحد من حوافز التقاعد المبكر، وإدخال عنصر تمويلي للمعاشات، وإصلاح الرعاية الصحية، وإلغاء الإجازات المرضية الهاتفية، وإعادة هيكلة ضريبة الدخل اعتباراً من عام 2027. وأصرّ ميرتس على ضرورة إقرار هذه الحزمة قبل نهاية عام 2026، إلا أنها لم تحظَ بشعبية لدى قطاعات واسعة من الناخبين. وبعد هزيمة ساكسونيا-أنهالت، بدأت أصوات داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي تطالب بإعادة النظر في خطط المعاشات والرعاية الصحية وميزانية عام 2027. ويخلق ذلك مشكلة حقيقية في إدارة الائتلاف؛ إذ بات الشريك الأصغر لميرتس في وضع يتيح له انتزاع تنازلات بشأن أجندة الإصلاح التي راهن عليها المستشار منذ توليه المنصب.
غير أن التحول الأهم الذي أحدثته نتائج ساكسونيا-أنهالت يتصل بسياسة «الجدار الواقي» ضد اليمين المتطرف. فبعد أن كانت هذه السياسة تُعد، تاريخياً، من الثوابت غير القابلة للتفاوض داخل قيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، أصبحت اليوم موضع نقاش صريح داخل الحزب. ويتزايد اعتقاد بعض الديمقراطيين المسيحيين بأن هذه السياسة لم تعد فعالة، فيما يدعو آخرون إلى تعديلها لتقويض سردية حزب البديل عن التمييز السياسي. ويشعر سياسيو الاتحاد الديمقراطي المسيحي في شرق البلاد، على وجه الخصوص، بأنهم محاصرون في تحالفات مع شركاء ذوي ميول يسارية، في ظل غياب تداول واضح للسلطة في الولايات التي بات حزب البديل يهيمن عليها انتخابياً. ومع ذلك، أعادت الأحزاب الرئيسية، اتحادياً وولائياً، تأكيد التزامها العلني بمقاطعة اليمين المتطرف عقب الانتخابات مباشرة، رغم تزايد أعداد الناخبين وبعض سياسيي الاتحاد الديمقراطي المسيحي في شرق ألمانيا الذين يشككون في جدوى المقاطعة، ورغم خروج مظاهرات مناهضة لحزب البديل في مدن ألمانية عدة. ويبدو هذا الانقسام أوضح مؤشر على أن المقاطعة لم تعد سمة ثابتة في السياسة الألمانية، بل أصبحت متغيراً سياسياً قابلاً للتآكل تدريجياً، ولاية بعد أخرى وانتخابات بعد أخرى.
في ضوء هذا الوضع، تواجه حكومة المستشار ميرتس ثلاثة سيناريوهات خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة:
1. الاستقرار المُدار: يحتفظ ميرتس، في هذا السيناريو، بمنصب المستشار حتى العام المقبل من خلال تمرير نسخة مخففة من حزمة الإصلاحات بالتفاهم مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وبذلك يبقى التماسك السياسي قائماً شكلياً على المستوى الفيدرالي، رغم تآكله الواضح في بعض الولايات الشرقية. ويبدو هذا السيناريو الأرجح وفق المؤشرات الحالية، لكنه يفترض استمرار قناعة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأن كلفة الانتخابات المبكرة أكبر من كلفة البقاء في ائتلاف غير شعبي.
2. انتخابات فيدرالية مبكرة: قد تنشأ الانتخابات المبكرة، وفق هذا السيناريو، إما عن انشقاقات داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي بسبب حزمة المعاشات والميزانية، أو عن تحدٍ داخلي لقيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي تقوده شخصيات تميل إلى تخفيف قيود التعامل مع اليمين المتطرف. ونظراً إلى تقدم حزب البديل في استطلاعات الرأي الوطنية، فمن المرجح أن تعزز انتخابات مبكرة موقعه في البرلمان الألماني، ما يجعل هذا السيناريو الأخطر على الأحزاب الرئيسية والأكثر إلحاحاً لتجنبه، وإن كان قد يصبح صعب المنع إذا استمر خلل الائتلاف الحاكم.
3. تآكل الجدار الواقي على مستوى الولايات: في غياب تغيير رسمي في السياسة الوطنية، قد تبدأ فروع الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الولايات، وعلى الأرجح في ساكسونيا-أنهالت نفسها، بالتعاون الضمني مع حزب البديل في تصويتات محددة. ومن شأن ذلك أن يرسخ تعاوناً جزئياً تدريجياً بدلاً من إحداث قطيعة سياسية صريحة ومكلفة. وقد يكون هذا المسار الأرجح لتآكل المقاطعة على المدى الطويل، تحديداً لأنه يتجنَّب كلفة الانقلاب العلني وما قد يُثيره من ضجة إعلامية.

التداعيات على السياسة الخارجية
أوكرانيا وروسيا وأوروبا
يُعد برنامج السياسة الخارجية لحزب البديل، وفق أي معيار أوروبي مقارن، مُنحازاً بوضوح إلى موسكو؛ فقد قام مسؤولون في الحزب بزيارات متكررة إلى موسكو وسانت بطرسبرغ وشبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا، كما لم يعد تعاطفه الأوسع مع الموقف الروسي خافياً في الأوساط السياسية الألمانية. ويدعو الحزب أيضاً إلى انسحاب ألمانيا من منطقة اليورو وإعادة صياغة التزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي جذرياً. غير أن ما يميز اللحظة الراهنة عن مكاسب حزب البديل الانتخابية السابقة ليس خطابه الخارجي وحده، بل اتساع أثر هذه المواقف في مداولات الاتحاد الديمقراطي المسيحي. إذ تشير التقارير إلى أن قادة الحزب في شرق ألمانيا ضغطوا على ميرتس لعدم تزويد أوكرانيا بصواريخ تاوروس بعيدة المدى، ووجّهوا انتقادات أشد للمساعدات المالية والعسكرية الألمانية المقدمة إلى كييف. ومع أن سياسات ميرتس تجاه أوكرانيا لا يُرجح أن تتغير كثيراً في المدى القريب بفعل انتخابات الولايات، فإن تنامي هذا الضغط يحدّ من هامش المناورة السياسي أمامه. وكان ميرتس قد أكد سابقاً أن ألمانيا ستعزز دعمها لأوكرانيا ضمن اتفاقية تتجاوز قيمتها 5.5 مليار دولار، تشمل تقديم معدات عسكرية إضافية وتوسيع قدرة تصنيع الأسلحة داخل أوكرانيا. لذلك، فإن أي تراجع ملموس في استعداد ألمانيا للوفاء بالتزامات بهذا الحجم، بوصفها أكبر اقتصاد أوروبي ومسهماً محورياً في حلف الناتو، ستكون له عواقب استراتيجية واسعة.
ويمنح موقع ساكسونيا-أنهالت في الشطر الشرقي حزب البديل ثقلاً رمزياً خاصاً في النقاش الأمني الأوسع في وسط أوروبا وشرقها. فوجود موطئ قدم راسخ للحزب في حكومة ولاية ألمانية شرقية سيُقرأ، من بولندا إلى دول البلطيق وأوكرانيا، بوصفه مؤشراً إلى ضعف الإجماع السياسي الألماني بشأن احتواء روسيا، بصرف النظر عن أي تغيير رسمي في السياسة الاتحادية. وستواجه الحكومة البولندية، التي استثمرت رصيداً سياسياً داخلياً كبيراً في التنسيق الوثيق مع برلين حول دعم أوكرانيا والدفاع عن الجبهة الشرقية، مراجعة صعبة إذا واصل الرأي العام الألماني، ومعه النقاش الداخلي في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الاقتراب من مواقف حزب البديل في هذه الملفات.
حلف الناتو
تجعل مكانة ألمانيا، بوصفها أكبر دولة أوروبية من حيث السكان والثقل الاقتصادي داخل حلف الناتو، أي انحراف في مركز ثقلها السياسي الداخلي ذا أثر هيكلي على الحلف. وقد وصف الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، صعود ميرتس إلى السلطة قبل عام بأنه لحظة «حاسمة» للأمن المشترك، مؤكداً ضرورة «زيادة الإنفاق الدفاعي» في أوروبا، عَادَّاً القيادة الألمانية ركناً أساسياً في ذلك التوجه، حين كان الاتحاد الديمقراطي المسيحي يُنظر إليه باعتباره قوة استقرار موالية للناتو. إلا أن نتيجة انتخابات ساكسونيا-أنهالت تعقّد هذه الصورة؛ إذ بات حزب البديل، حتى من دون سلطة حكم رسمية، يمتلك قدرة أكبر على إبطاء الالتزامات الدفاعية الألمانية عبر تأثيره في نقاشات الاتحاد الديمقراطي المسيحي حول صواريخ تاوروس وتمويل أوكرانيا، في لحظة تدعو فيها قيادة الناتو إلى تسريع هذه الالتزامات الدفاعية لا إبطائها.
العامل الأمريكي: العلاقة مع إدارة ترمب
تعود علاقة حزب البديل من أجل ألمانيا بإدارة ترمب إلى ما قبل انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت بأكثر من عام، وقد تطورت عبر سلسلة من المبادرات المتصاعدة. فقد التقت أليس فايدل، الرئيسة المشاركة للحزب، بنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2025، وانضمت إلى إيلون ماسك في بث مباشر على منصته، كما سافرت مجموعة صغيرة من سياسيي الحزب إلى واشنطن لحضور حفل تنصيب الرئيس ترمب. وكان ماسك نفسه قد أعلن صراحةً تأييده للحزب قبل الانتخابات الفيدرالية الألمانية. وعندما ألقى نائب الرئيس الأمريكي فانس خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن، كان حزب البديل مُستبعداً رسمياً من المؤتمر، وقد صرّح للدبلوماسيين الأوروبيين قائلاً: «إن إقصاء الناس من العملية السياسية لا يحمي شيئاً.. إنها الطريقة الأكيدة لتدمير الديمقراطية»، وهو تصريح فُسِّر على نطاق واسع في برلين على أنه تدخل مباشر في الانتخابات الألمانية. لكن ما تغيّر منذ فبراير 2025 هو مدى تحوّل هذه العلاقة من مجرد لفتات رمزية إلى تواصل مؤسسي بين الطرفين. فقد عقد حزب البديل اجتماعات مع مسؤولين كبار في وزارة الخارجية الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة، وهي خطوة غير مألوفة لحزب معارض يميني متطرف في دولة حليفة رسمياً. وانتقد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صراحةً تصنيف ألمانيا للحزب خطراً أمنياً، واصفاً ذلك بأنه «استبداد مقنّع». بينما اتهم نائب الرئيس فانس الحكومة الألمانية بشكل منفصل بمحاولة «تدمير» الحزب.
وقد تجلت هذه الديناميكية بأوضح صورها عقب انتخابات ساكسونيا-أنهالت مباشرة. ففي الثامن من سبتمبر، نشر الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي أن «الحزب الشعبوي الألماني حقق ليلة رائعة حقاً»، عازياً النتيجة إلى استياء الرأي العام من سياسة الهجرة، ومختتماً بعبارة «لنجعل ألمانيا عظيمة مرة أخرى!». وبعد ساعات، ألغى ميرتس مكالمة هاتفية مقررة مع ترمب، فيما امتنعت الحكومة الألمانية عن تأكيد أي صلة رسمية بين القرار ومنشور ترمب عن حزب البديل. وأوضح المتحدث باسم الحكومة، ستيفان كورنيليوس، أن برلين هي التي طلبت تأجيل المكالمة. وتتجاوز أهمية الحادثة حدود الإحراج الدبلوماسي المباشر؛ فهي تكشف أن العلاقات الألمانية-الأمريكية باتت، بدرجة غير مسبوقة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، رهينة للتفاعلات الانتخابية الداخلية في ألمانيا.
وتترتب على ذلك ثلاثة آثار هيكلية. أولاً، بات حزب البديل يمتلك مصدراً بديلاً وفعالاً للشرعية الدولية خارج دائرة القبول الأوروبي، وهو أمر غير مسبوق بالنسبة إلى حزب ألماني خاضع للرقابة، ويوفر له قدراً من الحماية من كلفة العزل المحلي. وثانياً، يخلق استمرار التفاعل العلني بين إدارة ترمب والحزب حافزاً قد يجعل كل مكسب انتخابي إضافي مدخلاً إلى مزيد من التأييد الأمريكي رفيع المستوى، بما يعزز حلقة التغذية الراجعة بين التعليقات الأمريكية والسياسة الداخلية الألمانية. وثالثاً، وهو الأهم بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأوسع لبرلين، يواجه ميرتس توتراً بنيوياً بين الحفاظ على علاقة عمل مع واشنطن في ملفات الأمن الأساسية، ولاسيما تمويل أوكرانيا وتقاسُم أعباء الناتو والتجارة، وبين إدارة الكلفة السياسية الداخلية للظهور بمظهر المتسامح مع تدخل أمريكي لصالح حزب تصنّفه أجهزة الاستخبارات الألمانية بأنه متطرف.

العدوى الأوروبية: زخم يميني متطرف
يُعد التحالف الرسمي بين حزب التجمع الوطني الفرنسي بقيادة مارين لوبان وحزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج أبرز تطور جديد في تنسيق اليمين المتطرف عبر الحدود. ففي أوائل سبتمبر الماضي، وقّع فاراج مذكرة تفاهم مع حزب التجمع الوطني تركز على مكافحة الهجرة، في أول تحالف يميني يتشكل عبر القناة الإنجليزية. وقد حظي اقتراح حزب الإصلاح بأن تعترض البحرية الملكية المهاجرين في القناة وتعيدهم باهتمام حزب التجمع الوطني، الذي أبدى استعداده للتعاون في جهود إعادة المهاجرين غير الشرعيين إذا وصل إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية عام 2027.
ويكتسب هذا التوافق أهمية استراتيجية تتجاوز سياسة الهجرة بمعناها الضيق. فحزب فاراج يحظى حالياً بتأييد واسع في استطلاعات الرأي، فيما يتصدر حزب التجمع الوطني الفرنسي، رغم إدانة مارين لوبان عام 2025 بتهمة اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي، استطلاعات الانتخابات التشريعية والرئاسية. وإذا وصل الحزبان إلى السلطة التنفيذية على جانبي القناة الإنجليزية خلال الدورة الانتخابية نفسها، فسيظهر محور شعبوي مُنسَّق بين المملكة المتحدة وفرنسا، في تطور نوعي جديد في السياسة الأوروبية منذ عام 1945، إذ ستخضع أكبر قوتين عسكريتين في أوروبا الغربية لتأثير اليمين المتطرف.
في هذا السياق، يمكن أن يصبح انتصار حزب البديل في ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن عاملاً مغذياً لهذه الموجة ومُستفيداً منها في آن واحد، خصوصاً في المحطات الانتخابية المقبلة. غير أن القاسم المشترك بين هذه المسارات الوطنية المتباينة يتمثل في التأييد الخارجي المستمر من إدارة ترمب والشخصيات المتحالفة مع حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وهو تأييد يوفر بديلاً جزئياً عن الشرعية الداخلية التي لا يزال اليمين المتطرف يسعى إلى ترسيخها.
استنتاجات
لا يُمثِّل الفوز التاريخي لحزب البديل من أجل ألمانيا في ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن إنجازاً حاسماً في الحكم؛ فالحزب لا يزال يفتقر إلى أغلبية برلمانية حتى في الولايات التي يتصدرها. لكن أهمية الفوز تكمن في ما كشفه وسرّع ظهوره من خلل داخل الائتلاف الفيدرالي بقيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وقد تنعكس آثار هذا الخلل مباشرة على السياسة الخارجية؛ إذ يحتفظ مسؤولو حزب البديل بعلاقات وثيقة وموثقة مع موسكو، وبعلاقات أكثر رسوخاً مع إدارة ترمب، بما يُبرز تشابك السياسة الداخلية الألمانية مع العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. ويمنح هذا الدعم الحزب مصدراً للشرعية الدولية لم يسبق لأي حزب يميني متطرف ألماني أن حظي به، الأمر الذي يخفف جزئياً من كلفة عزله سياسياً وأمنياً.
لكن الزلزال الألماني لا يمكن فصله عن سياق أوروبي أوسع عنوانه صعود اليمين المتطرف في دول مركزية، بدعم واضح من الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، تنطوي رهانات حزب البديل الخارجية على مخاطر حقيقية؛ فاستمرار تحالفه مع ترمب قد يستدعي في نهاية المطاف رداً قومياً مضاداً، لأن هذا الاعتراف الأجنبي العلني يُضعف ادعاء الحزب تمثيل السيادة الألمانية في مواجهة التدخل الخارجي.
ومن المرجح أن يواصل حزب البديل صعوده خلال الاثني عشر إلى الثمانية عشر شهراً المقبلة، لا أن يتراجع. غير أن انتقاله من أقوى قوة معارضة إلى حزب حاكم مقبول سيظل مرهوناً بمصير سياسة «الجدار الواقي»: هل تتآكل تدريجياً على مستوى الولايات، أم تصمد بما يكفي لإبقاء الحزب في موقع قوة انتخابية كبيرة من دون سلطة سياسية تعادلها؟






