واجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) أخطر انقسام في تاريخه منذ تشكُّله عقب الحرب العالمية الثانية. فقد بلورَت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التوترات القائمة منذ مدة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين داخل الحلف، مُحوّلةً إياها إلى شرخ هيكلي؛ ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى القول علناً بأن الناتو “لم يكن موجوداً عندما احتجنا إليه”، مؤكداً أنَّه”يدرس بجدية تامة” الانسحاب من التحالف، رداً على رفض الحلفاء الأوروبيين المساهمة بقوات في الحرب ضد إيران أو المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبعاد الأزمة بين الحلف والولايات المتحدة، واستعراض السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقة بين الحلف والولايات المتحدة. وتناقش الورقة الخيارات الاستراتيجية المتاحة لأوروبا في ظل تراجع الالتزام الأمريكي، وأخيراً تُقيّم التداعيات المتتالية للانقسام عبر الأطلسي على الحرب في أوكرانيا، وعلى مسرح عمليات الشرق الأوسط الأوسع.
تشريح الأزمة الأطلسية
لم تنشأ الأزمة الحالية بين حلف الناتو والولايات المتحدة فجأة، فقد بَنَت إدارة ترمب الثانية موقفَها التصادمي تجاه الحلف على نموذج راسخ من ولايته الأولى، حين طالب الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن طبيعة الأزمة الحالية ونطاقها يختلفان اختلافاً جذرياً عن الاحتكاكات السابقة. فقد أدت ثلاث حوادث متباينة بين 2025 وأوائل 2026 إلى تقويض أسس الثقة داخل التحالف. تمثلت الأولى في تصعيد ترمب لخطابه بشأن ضم جزيرة غرينلاند، وهي منطقة دنماركية وعضو في حلف الناتو، بما في ذلك رفضه استبعاد استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك. وكانت الحلقة الثانية قمة الناتو في لاهاي في يونيو 2025، حيث حقَّق ترمب نتيجةَ ذات أهمية حينما تعهَّد الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مع تخصيص 3.5% للدفاع الأساسي. إلا أن سعي إسبانيا للحصول على استثناء أشعل فتيل خلاف علني مستمر، زاد من حدة التراشق بالاتهامات المتبادلة. وكانت الحلقة الثالثة والأكثر حسماً هي الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، فقد اختار ترمب عدم إبلاغ حلفاء الناتو مُسبقاً، وهو قرار أقرَّ به الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، بالقول: “للحفاظ على عنصر المفاجأة في الضربات الأولية، اختار الرئيس ترمب عدم إبلاغ الحلفاء مسبقاً. وأنا أتفهم ذلك”. ومع ذلك، فإن القرار نفسه الذي استخدمه ترمب لتسويغ السرية أصبح المُسوِّغ الأوروبي الرئيس لعدم المشاركة، فقد فُرض على الحلفاء أمرٌ واقع بدلاً من عملية تشاورية.
تجمّعت الأسباب الرئيسة لغضب ترمب من حلف الناتو حول مَطلبين رفض الحلفاء الأوروبيون تلبيتهما: أولهما، نشر قوات عسكرية لدعم العمليات الأمريكية ضد إيران. فعلى رغم وصف ترمب للحلفاء الأوروبيين بـ”الجبناء”، فإن الغرض الأساسي للحلف، وهو الدفاع الجماعي عن أراضي الأعضاء بموجب المادة 5 من ميثاق الحلف، لم يمتد إلى عمليات هجومية خارج أراضي الناتو، وهي نقطة أثارها الحلفاء باستمرار. وفي الحرب الحالية لا ينطبق إطار الدفاع المشترك لحلف الناتو من الناحية الفنية على حالة إيران، التي شُنّت حربها بعيداً عن أراضي الحلف دون استشارة الحلفاء أو وجود إطار قانوني دولي. أما المطلب الثاني فكان نشر قوات بحرية أوروبية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز. وقد سعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى تشكيل تحالف دولي يضم عشرات الدول لحماية الملاحة البحرية في المضيق، إلا أن هذا لم يرقَ إلى مستوى مطالبة ترمب بالتزام عسكري رسمي لفتح المضيق. وأكدت العواصم الأوروبية باستمرار، على حد تعبير الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، أن الحرب مع إيران “ليست شأناً يخص حلف الناتو”.
في مواجهة ذلك، تصاعدت ردة فعل ترمب بشكل حاد، فقد وصف حلف الناتو بأنه “نمر من ورق”. وبعد اجتماع دام ساعتين في البيت الأبيض في 8 أبريل، مع الأمين العام للحلف مارك روته، قال ترمب: “لم يكن حلف الناتو موجوداً عندما احتجنا إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مرة أخرى”. وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن إدارة ترمب كانت تدرس سحب القوات الأمريكية من الدول الأوروبية التي تُعدّ “غير متعاونة بشكل خاص”. كما صرّح الرئيس الأمريكي بوضوح بأنه “يدرس بجدية تامة” الانسحاب من الحلف.

وكشفت حرب إيران أيضاً عن نقطة ضغط ثانوية، لكنها ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لأوروبا، وهي الأسلحة الأمريكية لأوكرانيا؛ فقد هدد ترمب بقطع إمدادات قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية، وهي آلية اشترت بواسطتها الدول الأوروبية صواريخ وأنظمة دفاع جوي أمريكية الصنع لنقلها إلى أوكرانيا، ما لم ينضم الحلفاء إلى تحالف لإعادة فتح مضيق هرمز. ووفقاً للأمين العام لحلف الناتو، فقد زوّدت هذه الآلية أوكرانيا بنحو 75% من إجمالي الصواريخ لبطاريات باتريوت، و90% من الذخيرة لأنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية الأخرى.
وفي المقابل يواجه الانسحاب الرسمي للولايات المتحدة من حلف الناتو عقبات قانونية كبيرة. حيث ينص قانون أقرّه الكونغرس عام 2023، شارك في رعايته وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو نفسه، على أنه لا يجوز لأي رئيس الانسحاب من الناتو دون موافقة الكونغرس، وهو شرط يبدو من غير المرجح تحقيقه في ظل المناخ السياسي الراهن. وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب في فبراير 2026 أن أكثر من ثلاثة أرباع الأمريكيين يؤيدون زيادة (28%) أو الحفاظ على (49%) التزام الولايات المتحدة الحالي تجاه الناتو.
مع ذلك، فإن الانسحاب الرسمي ليس الآلية الوحيدة التي تستطيع الولايات المتحدة من طريقها إضعاف الحلف بشكل فعلي، فمن دون التزام أمريكي راسخ بالمادة الخامسة من بند الدفاع المشترك سيتضرر الناتو بشكل كبير، وذلك عبر حالة من الاستنزاف الاستراتيجي، وهو مزيج من تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وتعليق أو ربط عمليات نقل الأسلحة، والتخفيف المتعمد لالتزام المادة الخامسة بواسطة الغموض السياسي. وقد يكون هذا السيناريو أكثر ضرراً على الأمن الأوروبي من القطيعة التامة، لأنه يُفقِد الحلفاء القدرة على التخطيط بيقين بناءً على الضمانات الأمريكية.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقة بين الحلف وأمريكا
بلغ الإنفاق الدفاعي الأوروبي 381 مليار يورو في عام 2025، على رغم أن حملة إعادة التسلح الأوروبية، التي وُصفت بأنها الأهم منذ خمسينيات القرن الماضي، لا تزال في مراحلها الأولى. ويهدف برنامج إعادة التسليح إلى حشد ما يقارب 800 مليار يورو للدفاع وتعزيز القدرة على الصمود، عبر تعديلات مالية وطنية، وقروض مشتركة للمشتريات، وإعادة تخصيص أموال الاتحاد الأوروبي. كما يُمثِّل التعديل الدستوري الألماني في مارس 2025، الذي أتاح ما يقارب 400 مليار يورو للإنفاق على الدفاع والأمن، التحولَ الأبرز، حيث يهدف المستشار فريدريش ميرتس إلى تحويل الجيش الألماني إلى أقوى قوة عسكرية في أوروبا. ولا تزال قوة الردع النووي المستقلة في أوروبا حكراً على فرنسا والمملكة المتحدة، اللتين تمتلكان معاً نحو 515 رأساً نووية موزعة بشكل أساسي عبر ثماني غواصات تعمل بالطاقة النووية حاملة للصواريخ الباليستية، مما يوفر ردعاً بحرياً مستمراً بمعزل عن الأنظمة الأمريكية. وفي بعض المجالات، تعمل أوروبا بالفعل على مستويات عالية دون إشراف أمريكي كامل. وكما ورد في تقييم مجلس الأطلسي لعام 2025، فقد نُفذت عمليات حلف شمال الأطلسي في ربيع 2025 دون أي سفن أمريكية ضمن قوة المهام. وفي المجالين السيبراني والبحري، تتمتع أوروبا بقدرات كبيرة.
لكن على رغم الزيادة الكبيرة في الإنفاق، وجّه الأمين العام لحلف الناتو تحذيراً شديد اللهجة إلى المشرّعين الأوروبيين في يناير 2026، قائلاً: “إذا كنتم ترغبون حقاً في العمل منفردين، فانسوا إمكانية تحقيق ذلك بنسبة [إنفاق على التسلح من إجمالي الناتح المحلي الإجمالي] 5%. ستكون النسبة 10%. وعليكم بناء قدراتكم النووية الخاصة. وهذا يكلف مليارات ومليارات اليوروهات”. مُشيراً إلى أنَّه من دون الولايات المتحدة، ستفقد أوروبا “الضامن الأخير لحريتنا، ألا وهو المظلة النووية الأمريكية”.
ويُحدِّد تقييم نشره مركز صوفان مطلع العام الحالي، ثلاثة أنواع من أوجه القصور الهيكلية. أولها، القيادة والسيطرة، إذ تُشغّل أوروبا مجتمعةً ما يقارب 1.4 مليون فرد في الخدمة الفعلية، إلا أن قابلية التشغيل البيني لا تزال محدودة للغاية نتيجة عقود من عمليات الشراء الوطنية المجزأة. وثانيها، العوامل الاستراتيجية المُمكّنة، حيث تُوفّر الولايات المتحدة أصولاً لا غنى عنها في مجال النقل الاستراتيجي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والاستخبارات عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة الإنذار المبكر؛ وهي أصول لا يُمكن لأوروبا محاكاتها في غضون خمس إلى عشر سنوات. وأخيراً، البُعد السياسي، حيث يُؤكد النظام الدستوري للاتحاد الأوروبي أن الأمن القومي يبقى مسؤولية كل دولة عضو على حدة، مما يُشكّل عائقاً هيكلياً أمام سلطة القيادة المركزية التي يتطلبها الردع الذاتي الفعال.
وفي ضوء هذا الوضع، يبدو الدور الأمريكي داخل حلف الناتو في مواجهة ثلاثة سيناريوهات مستقبلية ممكنة :
1. سيناريو الانسحاب الرسمي: وهو مسار ذو احتمالية منخفضة وتأثيرات كبيرة، إذ يتطلب الانسحاب الرسمي موافقة الكونغرس بموجب قانون عام 2023، وهو شرط من غير المرجح تحقيقه نظراً لأن استطلاعات الرأي تُظهر أن أكثر من ثلاثة أرباع الأمريكيين يؤيدون الحفاظ على التزامات الناتو أو زيادتها. ومع ذلك، إذا طعن ترمب في دستورية القانون وكسب القضية في المحاكم، أو إذا أدى الصراع الإيراني إلى إعادة تنظيم سياسي داخلي مُستدام بشأن مسألة التحالف، فلا يمكن استبعاد هذا السيناريو تماماً. لكن عواقبه ستكون وخيمة، حيث ستواجه أوروبا فراغاً أمنياً فورياً في مواجهة روسيا.
2. سيناريو إصلاح الحلف: وهو مسار ممكن ولكنه يتطلب تغييرات هيكلية. ففي ظل هذا السيناريو، يُتيح وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية مجالاً لخفض التصعيد الدبلوماسي، ويُقدِّم الحلفاء الأوروبيون تنازلات كافية، من قبيل التزامات بحرية ملموسة بشأن مضيق هرمز، وتسريع تمويل مجلس السلام الذي يقوده ترمب في الشرق الأوسط، أو زيادة المساهمات العسكرية في العمليات التي تقودها الولايات المتحدة، لتخفيف إحباط الرئيس الأمريكي. وضمن هذا السيناريو يبقى التحالف قائماً، لكن الضرر الهيكلي الذي لحق بالثقة المتبادلة، والسابقة السياسية المتمثلة في تعامل رئيس أمريكي مع التحالف كأداة للمساومة بدلاً من كونه التزاماً أساسياً للنظام الدولي الغربي، سيتركان آثاراً دائمة.
3. سيناريو إعادة الهيكلة الجذرية: وهو المسار الأكثر احتمالاً. ففي ظل هذا السيناريو، لا تنسحب الولايات المتحدة رسمياً من الناتو، بل تقوم بتقليص تدريجي لالتزاماتها الأوروبية، مثل نقل القوات من الدول التي تُعدّ غير متعاونة، والانسحاب من هياكل قيادة محددة في الناتو، وقد شرعت واشنطن بالفعل في ذلك عندما سلّمت قيادة الحلفاء المشتركة في نابولي وقيادة القوات المشتركة في نورفولك إلى الجانب الأوروبي. ويُشكل هذا السيناريو فعلياً “ناتو جديداً”، حيث يتحمل الأعضاء الأوروبيون المسؤولية الرئيسية عن الدفاع الإقليمي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بمشاركة انتقائية ومعاملاتية.

الخيارات الأوروبية
في مواجهة سياسة ترمب يبدو الخيار الأكثر تداولاً هو “أَوْرَوبة حلف الناتو”، وهو إطار تتولى فيه الدول الأعضاء الأوروبية مسؤولية أكبر عن صنع القرار الاستراتيجي والقدرات العسكرية وقيادة الحلف دون الانفصال الرسمي عن الولايات المتحدة. ويهدف هذا النهج، الذي يتبناه خبراء مثل أليساندرو ريزو، النائب السباق للأمين العام لحلف الناتو، باعتباره “شرطاً أساسياً لإنقاذ الناتو”، إلى تقليل المخاطر بدلاً من الانفصال، وبناء شراكة أكثر توازناً تُمكِّن العواصم الأوروبية من العمل باستقلالية عندما تكون واشنطن غير راغبة في ذلك. ويتميز هذا النموذج بعدة سمات، فهو يحافظ على البنية المؤسسية لحلف الناتو التي استغرق بناؤها عقوداً، ويوفر قابلية تشغيلية مشتركة وأسساً قيادية لا تقدر بثمن، كما أنه يحافظ على ما تبقى من التزام أمريكي، ويتماشى مع الطبيعة التدريجية للإرادة السياسية الأوروبية التي لا يُتوقع منها الانتقال مباشرةً من التبعية إلى الاستقلال التام. ومع ذلك، يواجه هذا النموذج قيوداً داخلية عميقة، فدول أوروبا الشرقية تنظر إلى روسيا كتهديد وجودي يتطلب ردعاً فورياً، وتَعتبر الدور الأمريكي أمراً غير قابل للتفاوض، وهي تُبدي مقاومة شديدة لأي إطار قد يُضعف مصداقية الالتزام الأمريكي، ولو مؤقتاً.
أما الخيار الثاني فهي رؤية أكثر طموحاً، تتبناها فرنسا بالدرجة الأولى، وتتمثل في “استقلال استراتيجي أوروبي” حقيقي قادر على الردع دون مساعدة أمريكية. ويعمل الاتحاد الأوروبي حالياً على بناء عناصر من بنية أمنية بديلة عبر الركائز الأربع لإطار عمل “الاستعداد 2030″، وهي مراقبة الجناح الشرقي، ومبادرة الدفاع الأوروبية ضد الطائرات المسيّرة، والدرع الجوي الأوروبي، والدرع الفضائي الأوروبي. كما يعمل على تطوير قوة انتشار سريع متخصصة، ويدرس ترتيبات أوروبية لتقاسم الأسلحة النووية. لكن القيود المالية لهذا الخيار تبدو أكبر من قدرة أوروبا حالياً على التحمُّل.
وعلى المستوى الدولي، يعمل الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه على بناء تحالف متعدد الأطراف مع قوى متوسطة في منطقة المحيطين الهندي والهادي (الإندو-باسيفيك)، مثل الهند وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، من طريق اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية. ويعكس هذا السعي لبناء التحالفات الخارجية تحولاً هيكلياً في كيفية تصوّر العواصم الأوروبية لبيئتها الأمنية، باعتبارها تتطلب محفظةً متنوعة من الشراكات بدلاً من مظلة القوة العظمى الواحدة التي ميَّزت حقبة الحرب الباردة وما بعدها.
لكن أي تقييم لخيارات الأمن الأوروبي يجب أن يأخذ في الحسبان المصالح الاستراتيجية لروسيا في ظلّ الانقسام عبر الأطلسي. حيث بَدَت الحرب الأمريكية/الإسرائيلية مع إيران مكسباً استراتيجياً غير متوقع لموسكو؛ فأسعار النفط المرتفعة ضخَّت مليارات الدولارات في خزائن روسيا الحربية، وأدت الحرب إلى انصراف اهتمام الغرب عن أوكرانيا، كما أن الانقسام الداخلي في حلف الناتو يُؤكد وجاهة الروايات الروسية حول ضعف الغرب وتفككه. لذلك، فإن أي سيناريو يضعف فيه التزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا، سواء من طريق الانسحاب الرسمي أو خفض القوات، سيُفيد بشكل غير مباشر روسيا التي ظل هدفها الاستراتيجي طويل الأمد هو تفكيك بنية الأمن الغربي.

التداعيات على أوكرانيا والشرق الأوسط
أصبحت أوكرانيا ضحيةً مباشرة للصراع الإيراني، مادياً وسياسياً. فعلى الصعيد المادي، أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى منافسة حادة على مخزون محدود من أنظمة الدفاع الجوي والذخائر الأمريكية. وقد حوّل البنتاغون صواريخ باتريوت الاعتراضية المتعاقد عليها مع أوكرانيا إلى المنطقة بدءاً من ربيع عام 2026، وتشير التوقعات إلى أن أوكرانيا ستواجه نقصاً حاداً في صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية بين شهري يوليو وأغسطس المقبلين. ومن غير المتوقع وصول دفعات باتريوت الجديدة التي طلبها حلفاء الناتو، كبدائل، قبل عامي 2027 و2028. أما سياسياً، فقد تحولت أوكرانيا إلى ورقة ضغط في المواجهة عبر الأطلسي، حيث حوّل تهديد ترمب بقطع الإمدادات عن أوكرانيا، ما لم ينضم الحلفاء الأوروبيون إلى تحالف مضيق هرمز، الأمنَ الأوكراني فعلياً إلى سلاح ضد عملية صنع القرار الأوروبي بشأن إيران. والنتيجة، أن أوكرانيا دخلت مرحلة حرجة من الحرب مع تضاؤل الدعم المادي والسياسي الأمريكي، وزيادة الاعتماد على الشركاء الأوروبيين المنشغلين بدورهم بإعادة التسلح وأمنهم الخاص، وتأثيرات أزمة الطاقة على وضعهم المالي.
أما في الشرق الأوسط، فقد غيَّرت حرب إيران المشهدَ الاستراتيجي للمنطقة بشكل جذري، وبطرق ربما ستستمر آثارها حتى بعد انتهاء الحرب. فقد أكَّدت ما كان يجادل به مُنتقدو “الناتو” حول قصور إطار الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاق الحلف، وأنه غير ملائم للصراعات خارج نطاق الحلف في الشرق الأوسط. وقد ردَّت الحكومات الأوروبية على الحرب في المقام الأول بدعوات إلى ضبط النفس، مما يعكس مدى محدودية قدرة أوروبا على تعزيز نفوذها العسكري في الشرق الأوسط، وأدى هذا بدوره إلى تأجيج النقاشات حول تقاسُم الأعباء داخل الحلف. ويكمُن المغزى الأوسع في أن بنية الأمن في الشرق الأوسط ستتحدد بشكل متزايد عبر العلاقات الثنائية المباشرة بين الولايات المتحدة ودول الخليج، والآليات الجماعية لمجلس التعاون الخليجي، والعمليات الأمنية الإسرائيلية، والدور المتنامي لقوى خارجية بديلة، ولاسيما الصين.
استنتاجات
يقف حلف شمال الأطلسي عند مفترق طرق تاريخي. فقد تُحَل الأزمة الراهنة، التي يقودها غضب ترمب من عدم مشاركة أوروبا في الحرب الإيرانية، جزئياً بفضل وقف إطلاق النار، والإدارة التوفيقية للأمين العام روته. لكن الديناميكيات الهيكلية التي أدت إلى الأزمة أعمق بكثير؛ فالاختلاف بين تصورات الولايات المتحدة وأوروبا للتهديدات، والزخم المتزايد لطموحات الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، ستستمر في إعادة تشكيل التحالف لمدة طويلة.
لذلك تعمل أوروبا على ثلاثة مستويات في سبيل إعادة التشكيل هذه؛ بدايةً من محاولة “أَوْرَوبة حلف الناتو”، عبر أخذ زمام المبادرة والقيادة من الولايات المتحدة، وكذلك تسريع مسار الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وبناء تحالف متعدد الأطراف مع قوى متوسطة في منطقة المحيطين الهندي والهادي عبر اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية.
وفي المدى المتوسط، سيتحدد مستقبل حلف الناتو بشكل أقل بناءً على مسألة انسحاب الولايات المتحدة، وأكثر بناءً على التآكل التدريجي للالتزام الموثوق الذي دعم الأمن الأوروبي لما يقرب من ثمانية عقود. وسيكون التحالف الذي سينبثق من الحرب الإيرانية مختلفاً هيكلياً، حيث سيبقى قائماً من حيث كونه مؤسسةً، أما مسألة بقائه بصفته رادعاً موثوقاً فهي السؤال الأمني الحاسم للعقد المقبل.






